يشهد الاقتصاد الرقمي تحولًا في طريقة تقديم البرمجيات وتسعيرها، تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي ووكلاؤه المستقلون. فبعد عقود من بيع الاشتراكات وإتاحة الأدوات، تتجه نماذج جديدة نحو بيع العمل المنجز والنتائج المحققة. فما الفرق بين SaaS وWaaS وRaaS؟ وكيف ينعكس هذا التحول على مستقبل الأعمال؟
من اقتصاد البرمجيات إلى اقتصاد النتائج
غيّر نموذج البرمجيات كخدمة (Software as a Service – SaaS) صناعة التقنية بصورة جوهرية، عندما أتاح للشركات استخدام الأنظمة والتطبيقات عبر الإنترنت مقابل اشتراكات دورية، بدلًا من شراء البرامج وتشغيل بنيتها التحتية وإدارتها داخليًا.
ساهم هذا النموذج في نمو شركات تقنية عالمية، وأصبح أساسًا لكثير من الحلول المستخدمة في إدارة الموارد والمبيعات والمحاسبة والتسويق وخدمة العملاء. كما وفّر لمقدمي البرمجيات إيرادات متكررة يمكن التنبؤ بها، مع إمكانية التوسع في الأسواق دون الحاجة إلى تسليم منتج مستقل لكل عميل.
لكن نموذج الاشتراك يقوم على علاقة تجارية محددة: يدفع العميل مقابل الوصول إلى البرنامج، ويتحمل مسؤولية استخدامه وتحويل إمكاناته إلى نتائج.
فالشركة التي تشترك في نظام لإدارة علاقات العملاء لا تشتري مبيعات إضافية بالضرورة، وإنما تشتري أدوات تساعد فرقها على إدارة العملاء والفرص التجارية.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، بدأت هذه العلاقة تتغير. فالبرمجيات لم تعد تكتفي بتوفير الأدوات التي يستخدمها الموظف، بل أصبحت قادرة على تنفيذ بعض الأعمال نيابة عنه، وقياس ما تحقق من نتائج.
وهنا يظهر التحول من بيع البرمجيات إلى بيع العمل، ثم بيع النتائج.
ماذا تعني SaaS وWaaS وRaaS؟
يمكن فهم التطور من خلال ثلاثة نماذج تختلف في طبيعة القيمة المقدمة للعميل، وفي مستوى المسؤولية الذي يتحمله المورد.
نموذج البرمجيات كخدمة (SaaS)
يعني اختصار SaaS عبارة Software as a Service، أي البرمجيات كخدمة.
يدفع العميل اشتراكًا شهريًا أو سنويًا مقابل استخدام برنامج أو منصة رقمية. وقد يرتبط السعر بعدد المستخدمين أو بالخصائص المتاحة أو بمستوى الخدمة.
فعلى سبيل المثال، تشتري الشركة اشتراكًا في برنامج لإدارة خدمة العملاء، بينما يتولى موظفوها استقبال الطلبات ومعالجتها وإغلاقها.
وحدة القيمة هنا هي الوصول إلى البرنامج وقدراته.
نموذج العمل كخدمة (WaaS)
يعني اختصار WaaS عبارة Work as a Service، أي العمل كخدمة.
في هذا النموذج، تتجاوز التقنية مرحلة توفير الأدوات إلى تنفيذ الأعمال نفسها. ويمكن لوكيل ذكاء اصطناعي معالجة المستندات، أو تحديث السجلات، أو إعداد التقارير، أو تنفيذ إجراءات متكررة دون تدخل بشري في كل خطوة.
وقد يرتبط المقابل المالي بعدد المهام أو الإجراءات التي ينفذها النظام.
فبدلًا من شراء برنامج يساعد الموظف على تصنيف طلبات العملاء، يمكن شراء خدمة تتولى تصنيف تلك الطلبات فعليًا.
وحدة القيمة هنا هي العمل المنجز، وليس مجرد استخدام البرنامج.
نموذج النتائج كخدمة (RaaS)
يعني اختصار RaaS عبارة Results as a Service، أي النتائج كخدمة.
ينتقل التركيز هنا من تنفيذ العمل إلى تحقيق نتيجة محددة، متفق عليها وقابلة للقياس والتحقق.
فقد تدفع الشركة مقابل مشكلة عميل تم حلها، أو طلب تمت معالجته بنجاح، أو عميل محتمل استوفى معايير التأهيل.
ولا يكفي أن يكون النظام قد نفّذ إجراءً تقنيًا؛ بل يجب أن تتحقق النتيجة المحددة التي تسمح باحتساب المقابل.
وحدة القيمة هنا هي النتيجة المتحققة.
ومن المهم الإشارة إلى أن اختصار RaaS يُستخدم أيضًا في مجالات أخرى، مثل Robotics as a Service، أي الروبوتات كخدمة. لكن المقصود في هذا السياق هو Results as a Service.
ما الفرق الحقيقي بين النماذج الثلاثة؟
يمكن توضيح الفكرة من خلال مثال واحد في خدمة العملاء.
| النموذج | الخدمة المقدمة | أساس الدفع |
|---|---|---|
| SaaS | برنامج لإدارة طلبات العملاء | الاشتراك في البرنامج |
| WaaS | وكيل ينفذ إجراءات معالجة الطلبات | الأعمال أو الإجراءات المنفذة |
| RaaS | خدمة تحقق حلًا للطلبات وفق معايير محددة | الطلبات المحلولة بنجاح |
هذا الفرق يتجاوز طريقة احتساب الفواتير؛ لأنه يعيد توزيع المسؤولية بين العميل ومقدم الخدمة.
ففي SaaS يتحمل العميل جانبًا كبيرًا من مسؤولية تحقيق القيمة باستخدام الأدوات. أما في WaaS، فيتحمل المورد مسؤولية تنفيذ العمل المتفق عليه. وفي RaaS، يرتبط جزء أكبر من استحقاق المورد بتحقيق نتيجة محددة.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين النتيجة التشغيلية والنتيجة الاقتصادية النهائية. فحل استفسار عميل نتيجة تشغيلية قابلة للقياس، لكنه لا يعني بالضرورة زيادة إيرادات الشركة أو تحسن ربحيتها.
لماذا يدفع الذكاء الاصطناعي هذا التحول؟
يرتبط التحول بتطور وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، وهي أنظمة تستطيع استخدام الأدوات والبيانات وتنفيذ سلسلة من الإجراءات للوصول إلى أهداف محددة.
كانت البرمجيات التقليدية تتطلب مستخدمًا بشريًا ينفذ معظم الخطوات. أما اليوم، فيمكن لبعض الوكلاء تنفيذ عمليات متعددة، مثل قراءة طلب العميل، والبحث عن المعلومات، والتحقق من البيانات، وتنفيذ الإجراء، وتحديث السجل.
وهذا يغير العلاقة بين عدد المستخدمين والقيمة الاقتصادية.
فإذا أصبح النظام قادرًا على معالجة آلاف الطلبات تلقائيًا، فإن احتساب المقابل بحسب عدد الموظفين الذين يدخلون إلى البرنامج قد لا يعكس حجم العمل الذي يؤديه النظام.
كما يفتح المجال أمام شركات تقنية جديدة تنافس على أساس الإنجاز، بدلًا من عدد الخصائص البرمجية.
لكن الذكاء الاصطناعي يفرض أيضًا تكاليف تشغيلية متغيرة، تشمل معالجة البيانات وتشغيل النماذج والتكامل مع الأنظمة والمراجعة البشرية. ولذلك تحتاج الشركات إلى تسعير يوازن بين قيمة الخدمة وتكلفة تقديمها.
هل بدأت الشركات فعلًا في بيع النتائج؟
لم يعد التسعير المرتبط بالنتائج مجرد تصور نظري، فقد بدأت شركات عالمية في تطبيقه على بعض خدمات الذكاء الاصطناعي.
شركة Intercom: الدفع مقابل حل المشكلة
تقدم شركة Intercom وكيل الذكاء الاصطناعي Fin لخدمة العملاء، وتستخدم نموذجًا يبدأ من 0.99 دولار لكل نتيجة مؤهلة للفوترة.
وقد تشمل النتيجة حل استفسار العميل دون الحاجة إلى متابعة إضافية، وفق قواعد القياس التي تعتمدها الشركة.
وهنا يصبح المقابل مرتبطًا بالنتيجة التشغيلية، بدلًا من احتساب كل محادثة بصرف النظر عما تحقق منها.
شركة HubSpot: الدفع عند اكتمال المهمة
أعلنت شركة HubSpot في أبريل 2026 تعديل تسعير بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي لديها.
فأصبح وكيل خدمة العملاء يُحتسب بسعر 0.50 دولار للمحادثة المحلولة، بينما يُحتسب دولار واحد لكل عميل محتمل يوصي وكيل المبيعات بالتواصل معه.
ويعكس هذا النموذج انتقال التسعير من النشاط إلى الإنجاز، مع استمرار الاعتماد على الاشتراكات وأرصدة الاستخدام في البنية التجارية للخدمة.
شركة Salesforce: الدفع مقابل العمل المنفذ
تقدم شركة Salesforce من خلال Agentforce آلية Flex Credits، التي تتيح احتساب مقابل للإجراءات التي ينفذها الوكيل.
ويمثل ذلك مثالًا واضحًا للتسعير المرتبط بالعمل والاستهلاك، وليس بالضرورة النتائج النهائية.
وتوضح هذه الأمثلة أن السوق لا ينتقل إلى نموذج واحد، بل يختبر مستويات مختلفة من ربط السعر بالقيمة.
هل يختفي نموذج SaaS؟
رغم الاهتمام المتزايد بـRaaS، لا تشير البيانات إلى نهاية قريبة للاشتراكات.
ففي دراسة نشرتها Orb عام 2026، وشملت 80 شركة تقدم حلول وكلاء الذكاء الاصطناعي، استخدمت 95% من الشركات نماذج تسعير هجينة، بينما استخدمت 3.8% فقط التسعير القائم على النتائج.
وتخص هذه النتائج عينة شركات وكلاء الذكاء الاصطناعي، ولا تمثل صناعة البرمجيات كاملة.
لكنها توضح أن التطبيق الفعلي يتجه حاليًا نحو الجمع بين الاشتراك والتسعير بحسب الاستخدام أو العمل أو النتائج.
والسبب أن الاشتراكات توفر استقرارًا للإيرادات، بينما يحقق التسعير المتغير ارتباطًا أوضح بحجم النشاط والقيمة.
لذلك قد يكون مستقبل البرمجيات مزيجًا من النماذج الثلاثة، وليس استبدال SaaS بالكامل.
كيف سيؤثر التحول على نماذج الأعمال؟
يحمل هذا التطور آثارًا تتجاوز شركات البرمجيات، ليشمل الشركات الناشئة ومقدمي الخدمات المهنية والمؤسسات التي تشتري التقنية.
بالنسبة إلى الشركات الناشئة، يفتح النموذج فرصة لبناء منتجات متخصصة في معالجة مشكلة محددة، مع عرض تجاري واضح يرتبط بما يتحقق من نتائج. وقد يقلل ذلك مخاطر التجربة لدى العميل، لكنه يحمّل الشركة الناشئة جزءًا أكبر من تكاليف الفشل.
وبالنسبة إلى الشركات القائمة، يتيح النموذج إعادة النظر في تكلفة العمليات. فبدلًا من تقييم التقنية بعدد التراخيص المستخدمة، يمكن مقارنة تكلفة النتائج المؤتمتة بتكلفة تنفيذها بالطرق التقليدية، مع مراعاة الجودة والإشراف والأخطاء.
أما شركات الخدمات المهنية والاستشارات، فقد تواجه تغيرًا في العلاقة بين الوقت والقيمة. فإذا أصبح بالإمكان إنجاز جزء كبير من العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي، فقد تتوسع نماذج الأتعاب الثابتة والتسعير بحسب المخرجات أو النتائج، بدل الاعتماد الكامل على ساعات العمل.
لكن هذا لا يعني صلاحية الدفع مقابل النتائج لجميع الخدمات. فالقرارات الاستراتيجية والاستشارات المعقدة قد تعتمد نتائجها على عوامل لا يتحكم بها المستشار، مثل التنفيذ الداخلي وظروف السوق.
ولهذا تظل النماذج الهجينة أكثر ملاءمة في حالات كثيرة.
التحدي الحقيقي: كيف نقيس النتيجة؟
تكمن الصعوبة الأساسية في تحديد ما يعد نجاحًا، ومن يتحمل المسؤولية إذا لم يتحقق.
فهل تُحتسب مشكلة العميل محلولة بمجرد إغلاق المحادثة؟ وهل يُعد العميل المحتمل مؤهلًا بمجرد استيفاء بياناته؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا فشل الإجراء بسبب بيانات غير صحيحة قدمها العميل؟
كلما كانت النتيجة واضحة وقابلة للقياس والتحقق، أصبح تطبيق RaaS أكثر واقعية.
أما عندما تتداخل مسؤوليات المورد والعميل، أو تعتمد النتيجة على عوامل خارجية، فقد يصعب تطبيق التسعير القائم على النتائج بصورة عادلة.
ولهذا يحتاج النموذج إلى تعريف دقيق للنتيجة، وآلية تحقق موثوقة، واتفاق واضح حول المسؤوليات والتكاليف والحالات المستثناة.
مستقبل المنافسة: من يملك التقنية أم من يحقق القيمة؟
يعكس الانتقال من SaaS إلى WaaS ثم RaaS تطورًا في مفهوم القيمة داخل الاقتصاد الرقمي.
فبعد أن كانت المنافسة تدور حول إتاحة البرمجيات وخصائصها، أصبح من الممكن أن تنتقل تدريجيًا إلى جودة العمل المنجز والقدرة على إثبات النتائج.
ولا يعني ذلك اختفاء SaaS، وإنما تغير الطريقة التي تُقيّم بها الشركات التقنية والخدمات التي تشتريها.
فقد تستمر المؤسسات في الاشتراك بالمنصات الأساسية، وتدفع بصورة منفصلة مقابل أعمال ينفذها الوكلاء الأذكياء، ثم ترتبط بعض المدفوعات بنتائج تشغيلية محددة.
والتحول الأهم ليس أن تصبح البرمجيات أكثر ذكاءً، بل أن تصبح قيمتها أكثر ارتباطًا بما تحققه للأعمال.
وهنا يتغير السؤال من: ما الخصائص التي يقدمها البرنامج؟ إلى: ما العمل الذي ينجزه؟ وما النتيجة التي يستطيع إثباتها؟
وقد تصبح الإجابة عن هذين السؤالين عاملًا حاسمًا في تصميم المنتجات الرقمية ونماذج الإيرادات ومستقبل المنافسة.
المراجع
- دراسة Orb حول نماذج تسعير وكلاء الذكاء الاصطناعي.
- تسعير وكلاء الذكاء الاصطناعي في HubSpot.
- آلية احتساب النتائج في Intercom.
- نماذج تسعير Agentforce من Salesforce.
للمزيد من المعرفة والتحليلات المهنية، تابع قناة شبكة الأعمال على واتساب.
